أجرى الرئيس الصيني شي جين بينج ورئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي محادثات في القاهرة، يوم الأربعاء، اختتمت أول زيارة يجريها شي إلى مصر منذ عقد بسلسلة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم وبيان مشترك بشأن العلاقات الثنائية. وكتب إيلي سيجل برنشتاين، أن الزيارة تضع توازن القاهرة بين بكين وواشنطن أمام اختبار جديد، خصوصًا مع دخول التعاون في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية دائرة التنافس بين القوتين.


وجاءت الزيارة بالتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، كما تزامنت مع المناورات الجوية المصرية الصينية المشتركة «نسور الحضارة»، التي انطلقت في 22 أغسطس بهدف تعزيز العلاقات العسكرية بين القوات الجوية في البلدين.


وجاءت الزيارة أيضًا عقب تقرير أفاد بأن شركة هواوي الصينية العملاقة للتكنولوجيا تقدمت بعرض لتوريد أكثر من ألفي شريحة للحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي إلى مركز بيانات في مصر.


ووصل شي إلى القاهرة، يوم الثلاثاء، حيث استقبله السيسي إلى جانب فرقة من الراقصين الشعبيين وشبان مصريين رفعوا أعلام البلدين وارتدوا قمصانًا تحمل صورة الرئيس الصيني. وأغلقت السلطات مؤقتًا عددًا من الطرق الرئيسية في العاصمة كإجراء أمني خلال زيارات شي إلى قصر الاتحادية والمتحف المصري الكبير.


توسع التعاون الصيني المصري عبر قناة السويس


تركزت الاتفاقيات الجديدة حول إعلان السيسي إطلاق المرحلة الثالثة من المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يوسع مشروعًا يستضيف بالفعل نحو 200 شركة ويضم استثمارات بقيمة 4 مليارات دولار.


وتوسعت الاتفاقيات، بعيدًا عن التجارة، لتشمل التعاون في الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في مصر، كما جددت التزام البلدين بمواءمة «رؤية مصر 2030» مع مبادرة «الحزام والطريق» الصينية.


وقال رافائيل أنجييري، العضو المنتدب والمؤسس المشارك لمشروع «سينو-أرابيكا»، لـ«ميدل إيست آي»، إن الصين تنشئ هذه المناطق الاقتصادية باعتبارها وسيلة لنشر النموذج الصيني للتنمية.


وأضاف أن المناطق الاقتصادية تتيح سهولة التصدير، كما تساعد الصين على الالتفاف على العقوبات وغيرها من العوائق التجارية من خلال توسيع قدراتها التصنيعية خارج حدودها.


وتأتي هذه الخطط في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى مصر. فقد تراجعت إيرادات رسوم عبور قناة السويس إلى أقل من 4 مليارات دولار في عام 2024، بعدما سجلت 10.3 مليارات دولار في العام السابق، مع اضطرار شركات النقل إلى تحويل مساراتها حول أفريقيا بسبب هجمات الحوثيين في اليمن على سفن الشحن في البحر الأحمر، بالتزامن مع الحرب على غزة.


ودفع إغلاق إيران مضيق هرمز عقب الحرب الأمريكية الإسرائيلية عددًا متزايدًا من ناقلات النفط إلى العودة نحو ممرات الملاحة في البحر الأحمر.


وقال أنجييري، إن هذه «التجمعات الصناعية أكثر كفاءة بكثير» بالنسبة إلى مصر، إذ تتيح زيادة القدرات الإنتاجية في وقت تتوقع فيه القاهرة ارتفاع حركة المرور عبر قناة السويس.


وأضاف إسلام الحلواني، المدير في شركة «كيو إف إل إيه أدفايزوري» والمتخصص في العلاقات بين آسيا والشرق الأوسط، أن الاستثمارات الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ستندمج مع مخططات إقليمية قائمة تسعى إلى تجاوز مضيق هرمز، مثل «ممر أوروبا-مصر-نيوم-مجلس التعاون الخليجي».


ويربط هذا المسار، المدعوم سعوديًا، الأسواق الأوروبية والخليجية عبر البر والبحر من خلال مصر وميناء نيوم، من دون المرور عبر مضيق هرمز.


وفي البيان المشترك، جددت مصر تأكيدها مبدأ «الصين الواحدة»، ووصفت تايوان بأنها «جزء لا يتجزأ من أراضي جمهورية الصين الشعبية»، كما أعربت عن دعمها لرئاسة الصين لمجموعة بريكس في عام 2027. وتعهدت مصر كذلك بعدم التدخل في «الشؤون الداخلية للصين».


وفي المقابل، تناولت الصين حقوق مصر في مياه النيل، التي تشكل محورًا أساسيًا في الخلاف المستمر بين القاهرة وأديس أبابا بشأن سد النهضة الإثيوبي، الذي تقول مصر إنه يهدد بتقليص تدفق المياه إلى دول المصب.


وأكدت الصين «إدراكها للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة إلى مصر باعتباره شريان الحياة الرئيسي لها».


ورأى الحلواني أن عضوية مصر وإثيوبيا معًا في مجموعة بريكس تمنح الصين «فرصة كبيرة للوساطة وضمان التوصل إلى اتفاق بشأن مياه النيل». وأضاف أن وساطة بكين قد تمتد أيضًا إلى نزاعات أخرى في منطقة القرن الأفريقي.


عرض هواوي يختبر العلاقة مع واشنطن


على صعيد التكنولوجيا، اختبر عرض هواوي لتوريد 2008 شرائح من سلسلة «Ascend» العلاقة بين مصر والولايات المتحدة. ويشمل العرض 1408 معالجات من سلسلة «Ascend 950» الأعلى أداءً. ووفقًا لـ«بلومبرج»، تسعى واشنطن حاليًا إلى دفع شركات، بينها مايكروسوفت وإنفيديا و«أدفانسد مايكرو ديفايسز»، إلى تقديم عرض منافس.


ورغم أن محادثات الأربعاء تناولت الذكاء الاصطناعي، فإن عرض هواوي لم يرد ذكره، أو على الأقل لم يرد اسمه صراحة، في أي وثيقة حكومية نشرت خلال الزيارة.


وقال الحلواني، المتخصص في العلاقات بين آسيا والشرق الأوسط: «من المرجح أن تتحمل مصر، التي تعاني ضغوطًا مالية، تكلفة الخيار الصيني في ظل احتدام سباق اللحاق بركب الذكاء الاصطناعي، لا سيما أن بكين تجمع مشروعات البنية التحتية الرقمية مع حزم تمويل مغرية».


وشمل عرض هواوي أيضًا شراكة مع شركة «آي فلاي تك»، وفقًا لما أوردته «بلومبرج». وأدرجت الولايات المتحدة الشركة على قائمتها السوداء منذ عام 2019 لدورها في مراقبة الأقليات المسلمة في شينجيانج. ولا تزال التطبيقات التي يمكن أن تستخدم مصر فيها تكنولوجيا «آي فلاي تك» غير واضحة.


وأشارت بلومبرج إلى أن القدرة الحوسبية لشرائح هواوي أقل بكثير من قدرات شرائح إنفيديا وغيرها من الشركات الأمريكية. ومع ذلك، فإن العرض يمثل تحركًا لافتًا في المنافسة الأوسع حول البنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، نقلت «بلومبرج» تصريحاته، إن مصر «واحدة من عشرات الدول» التي تناقش معها واشنطن ملف الذكاء الاصطناعي.


واستبعد الحلواني احتمال حصول مصر على عروض أمريكية لبناء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي، وقال لـ«ميدل إيست آي» إن الضغوط المالية التي تواجهها مصر قد تجعل الخيار الصيني أكثر قابلية للتحمل في ظل اشتداد سباق تطوير قدرات الذكاء الاصطناعي، خصوصًا أن بكين تربط مشروعات البنية التحتية الرقمية بحزم تمويل.


وأشار كذلك إلى ارتفاع تكلفة عروض الذكاء الاصطناعي الأمريكية، ما يجعل دول الخليج مرشحة بصورة أكبر لشراء هذه الخدمات مقارنة بمصر التي تواجه قيودًا مالية.


لكن بلومبرج أشارت إلى أن بحث مصر في العرض الصيني لافت بالنسبة إلى المسؤولين الأمريكيين، بالنظر إلى كونها ثاني أكبر اقتصاد في أفريقيا.


وقد يعكس عدم ذكر عرض هواوي خلال محادثات الأربعاء تردد القاهرة في الاصطفاف علنًا مع الصين في مجال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وقد يعني أيضًا أن مصر لا تزال تدرس خيارات أخرى، بينها عرض مقدم من شركة أمريكية.


القاهرة نقطة تقاطع بين بكين وواشنطن


قال أنجييري إن مصر تولي أهمية لموقعها الذي يتيح لها الحصول على الدعم العسكري والضمانات الأمنية الأمريكية، بالتوازي مع الاستفادة من الاستثمارات الصينية في التكنولوجيا.


واتفق الحلواني مع هذا التقييم، قائلًا إن «القاهرة تبرز باعتبارها واحدة من نقاط التقارب القليلة بين بكين وواشنطن». وأضاف أن محادثات الأربعاء «مهمة، لكن بطرق لا تتعارض مع العلاقات المصرية الأمريكية».


وحافظت القاهرة على هذا التوازن بين بكين وواشنطن في السابق. وزار السيسي الصين ثماني مرات منذ توليه السلطة عام 2014، كانت آخرها في عام 2024. كما مولت الصين جانبًا كبيرًا من مشروع منطقة الأعمال المركزية في العاصمة الإدارية المصرية الجديدة، إلى جانب خط القطار الكهربائي الخفيف الذي يربطها بالقاهرة الكبرى.


وبلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين نحو 20.8 مليار دولار في عام 2025. وفي المقابل، تقدم الولايات المتحدة لمصر مساعدات خارجية سنوية تبلغ نحو 1.4 مليار دولار، بينما تجاوز حجم التجارة الثنائية بين البلدين 12 مليار دولار في العام نفسه.


ودعا البيان المشترك الصادر الأربعاء أيضًا إلى إصلاح «النظام الدولي والمؤسسات المالية الدولية لجعلها أكثر عدلًا وتمثيلًا للدول النامية».


ويرى الحلواني أن «الصين تؤيد التغيير باعتبارها قوة عالمية طامحة، بينما ترى مصر أن النظام الحالي غير عادل للدول النامية».


ولا تزال كيفية تأثير هذا التوتر في الخطوة المقبلة للقاهرة غير محسومة. فلم تعلن مصر قرارها بشأن عرض هواوي، كما لم تؤكد أي شركة أمريكية تقديم عرض منافس.


أما الاتفاق الذي تصدر زيارة شي، فمن المقرر أن تتضح ملامحه على امتداد قناة السويس.

 

https://www.middleeasteye.net/news/china-xi-egypt-visit-tests-cairo-balancing-act